قال سامي خميس: «اضطررت إلى بيع طقم غرفة السفرة حتى أتمكن من دفع تكاليف القضية»، وبهذه الكلمات وصف السائق تكاليف الدفاع عن نفسه في قضية كادت أن تودي به إلى السجن. كان خميس يقود مركبة للنقل التشاركي قبل عام عندما اصطدم بشاب كان يستقل دراجة نارية، فأصيب الأخير بكسور عدة، لكنه رفض التنازل عن القضية رغم تحمل خميس نفقات علاجه.
وأبرز تقرير نشره نون بوست، تصاعد الأعباء المالية المرتبطة بالتقاضي في مصر، بالتزامن مع توسع وزارة العدل في استخدام الخدمات الرقمية والتقاضي عن بُعد، وما يصاحبه من رسوم إضافية تشمل المستندات والإخطارات والخدمات الإلكترونية.
وجهت النيابة إلى خميس اتهامًا بالتسبب بإهمال في إصابة الشاب وإحداث عجز دائم لديه، وهي جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة عام. وبلغت النفقات القانونية التي تكبدها نحو 50 ألف جنيه مصري، أي ما يعادل نحو ألف دولار، في مؤشر على تنامي العبء المالي الذي تفرضه تكاليف التقاضي والخدمات القضائية المؤتمتة، التي تتيح إنجاز المستندات والمعاملات والإجراءات عبر البوابات الرقمية أو الأجهزة بدلًا من نوافذ الخدمة التقليدية.
ونجح محامي خميس في الحصول على حكم بالبراءة بعدما أثبت تقرير فني التزامه بقواعد المرور، وأن قائد الدراجة النارية دخل الطريق في الاتجاه المعاكس من شارع ذي اتجاه واحد، ما أدى إلى وقوع التصادم.
وقال خميس، إن دخله الشهري لا يتجاوز 12 ألف جنيه، وذلك فقط في حال لم يتغيب عن العمل يومًا واحدًا، موضحًا أن المحامي كان يحصل على أكثر من نصف دخله شهريًا، إما كقسط من أتعابه أو لتغطية نفقات التقاضي.
وأوضح أن المحامي خفض أتعابه بالفعل مراعاةً لظروفه المالية، لكن تكاليف الأوراق والإخطارات والخدمات المؤتمتة واصلت رفع الفاتورة النهائية.
وتشترك تجربة خميس مع تجارب ملايين المصريين الذين يدخلون النظام القضائي لا لطلب الإنصاف أو الدفاع عن أنفسهم فحسب، وإنما لمواجهة فاتورة تتضخم مع كل مرحلة من مراحل القضية.
وقد يبدو كل إنفاق، مثل استخراج المستندات أو استخدام الخدمات المؤتمتة، محدودًا في حد ذاته، لكنه قد يتحول إلى عبء كبير على أصحاب الدخول المنخفضة مع تراكمه بمرور الوقت.
ومع تصاعد تكاليف التقاضي، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع المواطنون ممارسة حقهم الدستوري في الوصول إلى العدالة فعلًا، أم أن الرسوم المتزايدة تقوض هذا الحق الأساسي؟
التقاضي الرقمي يتحول إلى «باقات» مدفوعة
يكتسب هذا العبء بُعدًا جديدًا مع توسع النظام القضائي المصري في استخدام الخدمات الرقمية والوسائل عن بُعد. فبينما تروج وزارة العدل للتحول الرقمي باعتباره وسيلة لتوفير الوقت والجهد، يؤدي نقل الإجراءات إلى المنصات الإلكترونية، مع فرض رسوم على بعض الخدمات، إلى زيادة التكلفة الإجمالية للوصول إلى منظومة العدالة.
وتأتي باقات الإخطارات والرسائل القضائية المدفوعة ضمن هذا التحول.
وتستعد مصر لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر المقبل، فيما أطلقت وزارة العدل في نهاية أغسطس منصة رقمية جديدة ضمن توجهها نحو التقاضي عن بُعد.
وتتيح المنصة، عبر البوابة الإلكترونية للوزارة، مجموعة من الخدمات للمحامين المترافعين أمام محاكم الجنح والجنايات الابتدائية، إذ يستطيع المحامون والمتقاضون والشهود والخبراء والأطباء الشرعيون حضور الجلسات عن بُعد، والحصول على نسخ رقمية معتمدة من ملفات القضايا، وسداد الرسوم إلكترونيًا، وتلقي قرارات الجلسات وإخطارات مواعيدها عبر الرسائل النصية.
لكن محامين حاولوا التسجيل في الخدمة قالوا إن الوصول إليها يفرض سلسلة من الرسوم الإضافية.
ويتعين على المحامي، وفقًا لمحامين استخدموا نظام التسجيل، سداد اشتراك سنوي بقيمة 500 جنيه، إلى جانب 500 جنيه أخرى لحضور كل جلسة محاكمة عن بُعد في قضايا الجنايات، و100 جنيه لكل جلسة لتجديد الحبس.
كما تفرض المنصة رسومًا إضافية على المستندات، إذ تتقاضى 10 جنيهات عن كل صفحة تُنسخ من ملف القضية الجنائية.
ويمكن للمحامين كذلك الاشتراك في باقة رسائل نصية بقيمة 2500 جنيه مقابل 500 رسالة، بما يتيح لهم تلقي قرارات الجلسات فور صدورها.
ورغم تقديم الوزارة التقاضي عن بُعد باعتباره جزءًا من تحديث منظومة العدالة المصرية، تثير هذه الرسوم تساؤلًا أساسيًا حول ما إذا كان نقل الإجراءات القضائية إلى الإنترنت يقلل بالفعل تكلفة الوصول إلى العدالة وجهده، أم أنه يضيف طبقة رقمية جديدة من النفقات قد تجعل التقاضي أقل قدرة على تحمل تكلفته.
وقال المحامي أحمد الجرحي لـ«نون بوست»: «لا يمكنني في النهاية تحمل هذه النفقات من جيبي، ولذلك تُنقل إلى المواطن، حتى عندما لا يستطيع تحملها».
وأوضح الجرحي أن ارتفاع تكاليف التقاضي والخدمات المرتبطة بالقضايا بدأ يؤثر في قرارات بعض العملاء بشأن اللجوء إلى المحاكم من الأساس.
وأشار إلى أن بعض العملاء يتراجعون عن رفع دعاوى قضائية بعدما يعرفون حجم ما قد يدفعونه مقابل خدمات التقاضي المؤتمتة، معربًا عن مخاوفه من تكرار الأمر مع توسع التقاضي عن بُعد وإضافة رسوم رقمية جديدة إلى تكلفة متابعة القضايا.
وقال الجرحي إنه حاول شخصيًا التسجيل في منصة التقاضي عن بُعد، ولاحظ أن الرسوم المفروضة على المحامين كانت من أبرز المشكلات التي ظهرت أثناء تطبيق النظام.
وأضاف أن هذه التكاليف ستنتقل في النهاية إلى العملاء، لأن المحامين لن يستطيعوا تحملها إلى أجل غير مسمى. ورغم أن المشاركة في النظام اختيارية رسميًا، توقع الجرحي أن تصبح شبه إلزامية عمليًا، إذ إن المواعيد والإجراءات القانونية قد لا تترك للمحامين خيارًا سوى استخدامها عندما تقتضي حماية مصالح موكليهم ذلك.
وحذر كذلك من أن تراكم تكاليف التقاضي قد يدفع بعض أطراف النزاعات إلى تسوية خلافاتهم خارج المحكمة، حتى عندما لا يكون الاتفاق الناتج عادلًا بالكامل، تجنبًا للنفقات المرتبطة بالإجراءات القضائية.
وقال إن المشكلة تصبح أكثر حدة في القضايا الجنائية، إذ لا يستطيع المتهمون في قضايا الجنح والجنايات، خلافًا للمتقاضين في القضايا المدنية، الانسحاب ببساطة من الإجراءات، بل يظلون ملزمين بتكاليف التمثيل القانوني والمتطلبات الإجرائية بغض النظر عن قدرتهم على الدفع.
رسوم التقاضي تثير جدلًا دستوريًا في مصر
ينص الدستور المصري لعام 2014، في المادة 38، على أن النظام الضريبي وغيره من الأعباء العامة يستهدف تنمية موارد الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وأنه لا يجوز إنشاء الضرائب العامة أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون، كما لا يجوز فرض أي مبالغ أخرى غير الضرائب والرسوم إلا في حدود القانون.
ويؤكد هذا النص أن الضرائب والرسوم العامة تحتاج إلى سند قانوني، لكن محامين يرون أن هذا المبدأ لم يمنع إدارات المحاكم من فرض رسوم جديدة أو زيادة تكاليف مرتبطة بإجراءات التقاضي.
وتصاعد الجدل في مارس 2025، عندما بدأت محاكم، بينها محكمة استئناف القاهرة، زيادة رسوم التقاضي وفرض مبالغ مقابل الشهادات ونسخ المستندات وإجراءات أخرى يحتاج إليها المتقاضون في الدعاوى المدنية والجنائية، وفقًا لمحامين مطلعين على التغييرات.
وقال محامون إن هذه التكاليف الإضافية جعلت متابعة بعض المطالبات أو الدفاع عن الحقوق أمام المحاكم أكثر صعوبة، معربين عن مخاوفهم من أن يؤدي التوسع في التقاضي عن بُعد إلى إضافة طبقة أخرى من النفقات إلى عملية أصبحت مكلفة بالفعل.
وفي مطلع سبتمبر، رفع مجموعة من المحامين دعوى مستعجلة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة طالبوا فيها بوقف وإلغاء الرسوم المفروضة للاشتراك في منصة التقاضي عن بُعد واستخدامها.
واستند المدعون إلى المادتين 97 و98 من الدستور، اللتين تكفلان حق التقاضي وحق الدفاع، معتبرين أن الرسوم تفرض عبئًا ماليًا قد يعوق الوصول إلى العدالة.
كما استندوا إلى المادة 38، مؤكدين أن الضرائب والرسوم العامة لا يجوز فرضها إلا في إطار القانون، ولا يمكن استحداثها بقرار إداري. ورأوا أن فرض هذه الرسوم إداريًا يتعدى على اختصاص السلطة التشريعية.
واستشهدت الدعوى كذلك بأحكام سابقة للمحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا في مصر. وقال المدعون إن هذه الأحكام أكدت أن تحديث النظام القضائي وإدخال التقنيات الحديثة لا يشكلان، في حد ذاتهما، أساسًا قانونيًا لفرض أعباء مالية إضافية خارج الإطار التشريعي.
وبذلك، يتجاوز النزاع مسألة رقمنة المحاكم المصرية إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بالحدود القانونية لفرض رسوم مقابل الخدمات التي يستخدمها المواطنون لممارسة حقهم الدستوري في الوصول إلى العدالة.
المحامون يحذرون من تحميل المواطن فاتورة التحول الرقمي
رغم عدم إصدار النقابة العامة للمحامين بيانًا رسميًا بشأن القضية حتى الآن، قال سعيد عبد الخالق، وكيل نقابة المحامين، إن المحامين يعارضون الرسوم الجديدة بسبب تأثيرها في التكلفة الإجمالية للتقاضي.
وقال عبد الخالق لـ«نون بوست»: «في النهاية، سيتحمل المواطن هذه الرسوم قبل المحامي. فالمحامي يحصل على أتعابه مقابل العمل الذي يؤديه في القضية، بينما تُخصم النفقات التي يفرضها النظام من أتعابه أو تُنقل إلى العميل».
وأوضح أن تراكم الرسوم الخاصة بالخدمات القضائية والمؤتمتة قد يدفع أتعاب المحامين إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة، لأنهم لن يستطيعوا تحمل التكاليف الإضافية عن عملائهم.
وشكك عبد الخالق أيضًا في مدى اختبار نظام التقاضي عن بُعد بصورة كافية قبل توسيع نطاقه، موضحًا أن إتاحة فترة تجريبية أطول كانت ستسمح للجهات المعنية برصد المشكلات العملية ومعالجتها، ولا سيما مع فرض رسوم إضافية على الخدمات المرتبطة بالاطلاع على ملفات القضايا.
ويرى عبد الخالق أن ذلك يفتح نقاشًا أوسع حول الغرض من التحول الرقمي: هل يستهدف أساسًا جعل التقاضي أسرع وأسهل، أم يتحول أيضًا إلى آلية لتحصيل رسوم جديدة من مستخدمي النظام القضائي؟
وقال إن النقابة اعترضت على الرسوم لأسباب قانونية ودستورية، موضحًا أنها لم تُفرض عبر تشريع يُعرض على مجلس النواب ويوافق عليه، وإنما بقرار من المجلس الأعلى لرؤساء محاكم الاستئناف، وهو ما يثير، بحسب رأيه، تساؤلات حول السلطة القانونية التي استند إليها فرض هذه الرسوم.
ويكفل الدستور حق التقاضي، لكن المحامين يحذرون من أن ارتفاع تكلفة الوصول إلى المحاكم قد يجعل ممارسة هذا الحق أكثر صعوبة أمام أصحاب الدخول المحدودة.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين انتُهكت حقوقهم بالفعل، ولا سيما المتهمين في القضايا الجنائية الذين لا يستطيعون الانسحاب من الإجراءات، قد تصبح هذه التكاليف أمرًا لا مفر منه. ويحذر المحامون من أن منظومة العدالة التي يفترض أن يجعلها التحول الرقمي أكثر سهولة في الوصول قد تخلق، بدلًا من ذلك، حواجز مالية إضافية أمام الفئات الأكثر عجزًا عن تحملها.
https://www.noonpost.com/en/384431/amp/

